الطفل الذي تأخّر في الكلام ( قصيدة نثر )

 

بَلَغْتُ الْخَامِسَةَ وَالسِّتِّينَ

وَمَا زِلْتُ أَتَعَثَّرُ بِدَهْشَتِي

كَطِفْلٍ خَرَجَ لِلتَّوِّ مِنْ رَحِمِ السُّؤَالِ

كُلَّمَا قُلْتُ عَرَفْتُ

فَتَحَ الْجَهْلُ نَافِذَةً أُخْرَى

وَكُلَّمَا أَمْسَكْتُ طَرَفَ الْعَالَمِ

أَفْلَتَ الْعَالَمُ مِنْ يَدِي

وَتَرَكَ فِيهَا رِيشَةً وَحَجَرًا وَسُؤَالًا

خَمْسَةٌ وَسِتُّونَ عَامًا

وَمَا زِلْتُ فِي أَوَّلِ الطَّرِيقِ

كَأَنَّ الْعُمْرَ لَمْ يَكُنْ عُمْرًا

بَلْ مَمَرًّا طَوِيلًا إِلَى نَفْسِي

⁕ ⁕ ⁕

مَرَّ قَلْبِي مِنَ النَّارِ وَعَادَ

لَمْ يَعُدِ الْقَلْبُ الَّذِي دَخَلَ

وَلَا عُدْتُ الرَّجُلَ الَّذِي كَانَ يَنْتَظِرُهُ

خَرَجْتُ أَخَفَّ مِنْ خَوْفِي

وَأَثْقَلَ بِالْمَعْنَى

وَرَأَيْتُ الْجَسَدَ بَيْتًا مُؤَقَّتًا

نُعَلِّقُ عَلَى جُدْرَانِهِ صُوَرَنَا وَأَسْمَاءَنَا وَأَوْسِمَتَنَا

ثُمَّ نَغَادِرُ

وَلَا نَحْمِلُ مَعَنَا حَتَّى ذَاكِرَةَ الْجِدَارِ

فَلِمَنْ كُلُّ هَذَا الرَّكْضِ؟

وَلِمَنْ نَرْفَعُ مَنَاصِبَنَا كَسَلَالِمَ فِي الْهَوَاءِ؟

إِذَا كَانَتِ الْأَرْضُ فِي آخِرِ الْأَمْرِ

تُعِيدُنَا جَمِيعًا إِلَى ارْتِفَاعٍ وَاحِدٍ

⁕ ⁕ ⁕

لَمْ يَعُدِ الْمَالُ يَلْمَعُ فِي عَيْنِي

وَلَا الْمَقْعَدُ الَّذِي يَتَزَاحَمُونَ عَلَيْهِ

يَسْتَحِقُّ دَقِيقَةً مِنْ صَفَائِي

أُرِيدُ وَقْتِي

وَقْتِي الَّذِي سَرَقَهُ الْخَوْفُ

وَسَرَقَتْهُ الْمُجَامَلَةُ

وَتِلْكَ الْعِبَارَةُ الْقَدِيمَةُ

مَاذَا سَيَقُولُونَ؟

كَمْ أَغْلَقَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ مِنْ بَابٍ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ نَدْخُلَهُ

وَكَمْ أَعَادَتْ إِنْسَانًا إِلَى مَقْعَدِهِ

حِينَ هَمَّ أَنْ يَقِفَ

⁕ ⁕ ⁕

كُنْتُ مُنْذُ الصِّغَرِ أَعْرِفُ كَيْفَ أَخْتَفِي

كُلَّمَا اقْتَرَبَ الضَّوْءُ تَرَاجَعْتُ خُطْوَةً

كَأَنِّي أَخْشَى أَنْ يَعْرِفَنِي أَكْثَرَ مِمَّا أَعْرِفُ نَفْسِي

أُحِبُّ الرَّصِيفَ نَفْسَهُ وَالسَّاعَةَ نَفْسَهَا

وَالطَّرِيقَ الَّذِي يَحْفَظُ وَقْعَ خُطَايَ وَلَا يَسْأَلُنِي إِلَى أَيْنَ

لَكِنَّ الْبَائِعَ حِينَ يَحْفَظُ اسْمِي أُغَيِّرُ الدُّكَّانَ

وَالْعَابِرَ حِينَ تُصْبِحُ تَحِيَّتُهُ مَوْعِدًا أُغَيِّرُ الطَّرِيقَ

لَيْسَ تَكَبُّرًا وَلَا جَفَاءً

أَنَا فَقَطْ أَخَافُ الْأُلْفَةَ حِينَ تَصِيرُ نَافِذَةً

مَفْتُوحَةً عَلَى غُرْفَتِي

لِي غُرْفَةٌ فِي دَاخِلِي لَا مِفْتَاحَ لَهَا وَلَا جَرَسَ

وَإِذَا سَمِعْتُ خَلْفَ بَابِ الْآخَرِينَ صَمْتًا

لَا أَطْرُقُهُ

⁕ ⁕ ⁕

أَذْهَبُ إِلَى الْبَحْرِ وَحْدِي

فَيَأْتِي مَعِي شَاعِرٌ مَاتَ قَبْلَ قُرُونٍ

وَرَسَّامٌ تَرَكَ لَوْنًا عَلَى جِدَارِ الذَّاكِرَةِ

وَامْرَأَةٌ تَعْبُرُ قَصِيدَةً

وَسُؤَالٌ يَمْشِي بِجَانِبِي ثُمَّ يَسْبِقُنِي إِلَى الْمَوْجِ

أَجْلِسُ فِي الْمَقْهَى وَحْدِي

وَأَرَى نَادِلًا يَجْمَعُ فَنَاجِينَ النَّهَارِ

وَطِفْلًا يَسْحَبُ يَدَ أَبِيهِ نَحْوَ غَدٍ لَا يَعْرِفَانِهِ

وَأَجْمَعُ مِنْ كُلِّ عَابِرٍ تَفْصِيلًا صَغِيرًا

لِأَبْنِيَ مِنْهُ عَالَمًا

فَكَيْفَ أَكُونُ وَحِيدًا؟

الْوَحْدَةُ أَنْ تَغِيبَ أَنْتَ عَنْ نَفْسِكَ

⁕ ⁕ ⁕

قَبْلَ أَيَّامٍ هَرَبْتُ مِنْ مَقْهَايَ

رَجُلٌ وَحِيدٌ وَجَدَ فِي وَحْدَتِي دَوَاءً لِوَحْدَتِهِ

صَارَ يَنْتَظِرُنِي وَيَجْلِسُ إِلَى جِوَارِي وَيُطِيلُ الْكَلَامَ

كَانَ طَيِّبًا

وَلَمْ أُرِدْ أَنْ أَكْسِرَهُ

وَلَمْ أُرِدْ أَنْ أَكْسِرَ وَحْدَتِي

فَتَرَكْتُ لَهُ الْمَقْهَى

وَأَخَذْتُ مَعِي غِيَابِي

رَجُلٌ يَهْرُبُ مِنْ رَجُلٍ لِأَنَّ كِلَيْهِمَا وَحِيدٌ

يَا لِسُخْرِيَةِ الْمَرَايَا حِينَ تَتَقَابَلُ

كُلُّ وَاحِدَةٍ تَرَى فِي الْأُخْرَى

الْوَجْهَ الَّذِي جَاءَتْ لِتَنْسَاهُ

⁕ ⁕ ⁕

أَحْبَبْتُ الشِّعْرَ لِأَنَّهُ لَا يَسْأَلُنِي عَنْ اسْمِي

وَاللَّوْحَةَ لِأَنَّ اللَّوْنَ لَا يُرِيدُ مِنِّي تَفْسِيرًا

وَالتَّجْرِيدَ لِأَنَّ الشَّجَرَةَ فِيهِ لَيْسَتْ مُضْطَرَّةً أَنْ تَكُونَ شَجَرَةً

وَالرِّوَايَةَ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَعِيشُ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ حَيَاةٍ

قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ مَرَّةً وَاحِدَةً

ثُمَّ اقْتَرَبْتُ مِنَ الشِّعْرِ

وَكَانَ بَابُهُ مَحْرُوسًا بِأَسْمَاءٍ كَبِيرَةٍ وَتَمَاثِيلَ عَالِيَةٍ

مَدَدْتُ إِصْبَعِي وَلَمَسْتُ الْحَجَرَ

لَمْ تَنْشَقَّ السَّمَاءُ

وَلَمْ يَسْقُطِ الْعَالَمُ

فَعَرَفْتُ أَنَّ التِّمْثَالَ كَانَ حَجَرًا طَوَالَ الْوَقْتِ

وَأَنَّ الْخَوْفَ كَانَ فِينَا

⁕ ⁕ ⁕

قَرَأْتُ قَصِيدَةً لِشَاعِرٍ كَبِيرٍ

فَدَخَلَ الِاسْمُ أَوَّلًا

وَدَخَلَ النَّصُّ خَلْفَهُ كَخَادِمٍ يَحْمِلُ مِعْطَفَ سَيِّدِهِ

وَصَفَّقَ النَّاسُ قَبْلَ أَنْ تَنْتَهِيَ الْقَصِيدَةُ

فَقُلْتُ مَاذَا لَوْ نَزَعْنَا الِاسْمَ؟

مَاذَا لَوْ وَجَدْنَا الْكَلِمَاتِ عَلَى وَرَقَةٍ مَجْهُولَةٍ فَوْقَ طَاوِلَةِ مَقْهًى؟

هَلْ سَنَنْحَنِي لِلْجُمْلَةِ

أَمْ لِلظِّلِّ الْوَاقِفِ خَلْفَهَا؟

مُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ صَارَتْ لِي مُشْكِلَةٌ جَمِيلَةٌ مَعَ الْأَسْمَاءِ

لَا الِاسْمُ حُجَّةٌ

وَلَا الشُّهْرَةُ بُرْهَانٌ

وَلَا التَّارِيخُ مَحْكَمَةٌ لَا اسْتِئْنَافَ فِيهَا

النَّصُّ نَصٌّ وَاللَّوْحَةُ لَوْحَةٌ وَالصَّوْتُ صَوْتٌ

وَمَا عَدَا ذَلِكَ غُبَارُ الْأَزْمِنَةِ عَلَى الْأَشْيَاءِ

⁕ ⁕ ⁕

سَأَمْسَحُ الْغُبَارَ

لَا لِأَهْدِمَ بَلْ لِأَرَى

سَأَسْأَلُ الْأُغْنِيَةَ الَّتِي نَامَتْ طَوِيلًا فِي ذَاكِرَتِنَا

كَمْ فِيكِ مِنَ الصَّوْتِ وَكَمْ فِيكِ مِنَ الْمِذْيَاعِ؟

كَمْ صَنَعَتِ الْحَنْجَرَةُ وَكَمْ صَنَعَتِ الْمَنَابِرُ؟

سَأَسْأَلُ زَمَنًا كَانَ فِيهِ الزَّعِيمُ أَكْبَرَ مِنَ الدَّوْلَةِ

وَالصُّورَةُ أَكْبَرَ مِنَ الْحَقِيقَةِ

وَالْهُتَافُ أَعْلَى مِنَ السُّؤَالِ

زَمَنًا كَانَتْ فِيهِ الْهَزِيمَةُ تُغَيِّرُ اسْمَهَا كَيْلَا تَجْرَحَ الزَّعِيمَ

وَالْكَلِمَةُ تَرْتَدِي بَزَّتَهَا الْعَسْكَرِيَّةَ وَتُؤَدِّي التَّحِيَّةَ

وَالْمِذْيَاعُ يَصْنَعُ فِي لَيْلَةٍ حَبِيبًا وَبَطَلًا وَعَدُوًّا

سَأَسْأَلُ فَقَطْ

فَالسُّؤَالُ لَيْسَ خِيَانَةً

السُّؤَالُ نَافِذَةٌ تَخَافُهَا الْغُرَفُ الْمُغْلَقَةُ

⁕ ⁕ ⁕

مَنْ نَصَبَ الْحَارِسَ عَلَى بَابِ الْفِكْرَةِ؟

مَنْ قَرَّرَ أَنَّ شَاعِرًا أَكْبَرُ مِنَ الْقَصِيدَةِ؟

وَأَنَّ مُغَنِّيًا أَكْبَرُ مِنَ الصَّوْتِ؟

وَأَنَّ مُفَكِّرًا أَكْبَرُ مِنَ الْخَطَأِ؟

لَا أُرِيدُ تَارِيخًا يَجْلِسُ فَوْقَ صَدْرِي

أُرِيدُهُ إِلَى جَانِبِي عَلَى الطَّاوِلَةِ

نَسْأَلُ وَنَخْتَلِفُ ثُمَّ نَنْهَضُ

وَلَا يَكْسِرُ أَحَدُنَا كُرْسِيَّ الْآخَرِ

وَلَا أُرِيدُ أَنْ أُحَطِّمَ الرُّمُوزَ

فَالتَّحْطِيمُ شَكْلٌ آخَرُ مِنَ الْعِبَادَةِ

مَنْ يَسْجُدُ لِلتِّمْثَالِ وَمَنْ يَهْشِمُهُ

قَدْ يَكُونَانِ أَسِيرَيْنِ لِلْحَجَرِ نَفْسِهِ

أُرِيدُ فَقَطْ أَنْ أُعِيدَ الْحَجَرَ إِلَى حَجْمِهِ

وَالْإِنْسَانَ إِلَى إِنْسَانِيَّتِهِ

وَالْقَصِيدَةَ إِلَى كَلِمَاتِهَا

وَالْفَنَّانَ إِلَى عَمَلِهِ

⁕ ⁕ ⁕

عِشْتُ طَوِيلًا أَخْشَى أَنْ أَقُولَ لَا يُعْجِبُنِي

كَأَنَّ الذَّائِقَةَ جَرِيمَةٌ

وَأَخْشَى أَنْ أَقُولَ لَا أَقْتَنِعُ

كَأَنَّ الْعَقْلَ ضَيْفٌ ثَقِيلٌ يَغَادِرُ الْمَجْلِسَ حِينَ يَدْخُلُ الْمَشَاهِيرُ

الْآنَ لَمْ يَعُدْ فِي الْعُمْرِ مُتَّسَعٌ لِهَذَا الْخَوْفِ

أُرِيدُ كَلِمَتِي بَارِدَةً كَحَدِّ السِّكِّينِ

لَا صَاخِبَةً كَالْمِطْرَقَةِ

فَالسِّكِّينُ الدَّقِيقَةُ تَصِلُ إِلَى الْعَصَبِ

وَالْمِطْرَقَةُ لَا تَعْرِفُ إِلَّا الضَّجِيجَ

أُرِيدُ نَقْدًا لَا يَشْتِمُ

وَسُؤَالًا لَا يَسْتَجْدِي الْإِجَابَةَ

وَأَقُولُ لِلتِّمْثَالِ انْزِلْ قَلِيلًا

لَا كَيْ أَدُوسَ عَلَيْكَ

بَلْ كَيْ أَرَاكَ وَاقِفًا مَعَنَا عَلَى الْأَرْضِ

⁕ ⁕ ⁕

الْآنَ أَشْعُرُ أَنِّي أَبْدَأُ

يَا لِسُخْرِيَةِ الْعُمْرِ

حِينَ كَانَتْ أَمَامِي سَنَوَاتٌ كَثِيرَةٌ كُنْتُ أَخَافُ

وَحِينَ قَلَّتِ السَّنَوَاتُ اتَّسَعَتِ الْحُرِّيَّةُ

كَأَنَّ الْعُمْرَ لَا يُعْطِينَا الْحِكْمَةَ

إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَأْخُذَ الْوَقْتَ الَّذِي نَحْتَاجُهُ لِاسْتِعْمَالِهَا

لَا بَأْسَ

يَكْفِينِي مَا بَقِيَ

يَوْمٌ وَاحِدٌ بِصَوْتِي

خَيْرٌ مِنْ أَعْوَامٍ بِصَوْتِ الْآخَرِينَ

⁕ ⁕ ⁕

سَأَذْهَبُ غَدًا إِلَى الْبَحْرِ

سَأَضَعُ عُمْرِي بِجَانِبِي كَمِعْطَفٍ قَدِيمٍ

وَأَقُولُ لَهُ لَقَدْ أَتْعَبْتَنِي

فَيَقُولُ وَأَنْتَ أَيْضًا

ثُمَّ نَضْحَكُ

سَيَأْتِي الْمَوْجُ وَيَمْحُو أَسْمَاءً كَتَبَتْهَا الْمِيَاهُ عَلَى الرَّمْلِ

اسْمَ شَاعِرٍ وَاسْمَ زَعِيمٍ وَاسْمَ مُغَنٍّ وَاسْمِي

وَسَأَفْهَمُ أَنَّ الْبَحْرَ أَعْدَلُ النُّقَّادِ

يَمْحُو الْجَمِيعَ بِالْيَدِ نَفْسِهَا

ثُمَّ يَتْرُكُ الْعَمَلَ وَحْدَهُ

يُقَاوِمُ الْمَاءَ أَوْ يَغْرَقُ

⁕ ⁕ ⁕

وَحِينَ أَعُودُ سَأَكْتُبُ

لَا كَيْ يَعْرِفَنِي أَحَدٌ بَلْ كَيْ أَعْرِفَنِي أَنَا

سَأَكْتُبُ لِأَنَّ فِي دَاخِلِي كَلِمَاتٍ أَجَّلْتُ وِلَادَتَهَا طَوِيلًا

وَلِأَنَّ الصَّمْتَ حِينَ يَشِيخُ يَصِيرُ حَجَرًا فِي الْحَنْجَرَةِ

سَأَكْتُبُ عَنِ الْقَصَائِدِ الَّتِي حَمَلَتْهَا أَجْنِحَتُهَا

وَالْقَصَائِدِ الَّتِي حَمَلَتْهَا شُهْرَةُ أَصْحَابِهَا

عَنِ الصَّوْتِ حِينَ يَصْدُقُ

وَالصَّوْتِ حِينَ يَرْفَعُهُ التَّارِيخُ عَلَى كَتِفَيْهِ

عَنِ الْكَذِبِ الْجَمِيلِ حِينَ يَرْتَدِي ثَوْبَ الْحَقِيقَةِ

وَالْحَقِيقَةِ حِينَ تَدْخُلُ بِمَلَابِسَ بَسِيطَةٍ فَلَا يَنْتَبِهُ إِلَيْهَا أَحَدٌ

سَأَكْتُبُ

وَإِنْ سَأَلُوا مَنْ أَنْتَ؟

سَأَقُولُ لَا أَحَدَ

وَهَذِهِ بِالضَّبْطِ حُرِّيَّتِي

⁕ ⁕ ⁕

لَا مَنْصِبَ أَحْمِيهِ

لَا تِمْثَالَ أَخْشَى عَلَيْهِ

لَا جُمْهُورَ أَخَافُ أَنْ يُغَادِرَ

لَا بَابَ أَنْتَظِرُ أَنْ يُفْتَحَ

أَنَا رَجُلٌ جَرَّبَ أَنْ يَقِفَ قَلْبُهُ عَلَى عَتَبَةِ السُّؤَالِ

ثُمَّ عَادَ لِيَعْرِفَ أَنَّ الْعُمْرَ أَقْصَرُ مِنْ أَنْ نَعِيشَهُ

رَاكِعِينَ أَمَامَ الْأَسْمَاءِ

لَا أُرِيدُ أَنْ أَكُونَ مَشْهُورًا

أُرِيدُ أَنْ أَكُونَ حُرًّا

حُرًّا بِمَا يَكْفِي لِأُحِبَّ الْكَبِيرَ دُونَ أَنْ أَعْبُدَهُ

وَلِأَنْتَقِدَ الْعَظِيمَ دُونَ أَنْ أَكْرَهَهُ

وَلِأَقُولَ لِلْهَالَةِ ابْتَعِدِي قَلِيلًا

كَيْ أَرَاهُ

⁕ ⁕ ⁕

أَنَا الْآنَ الطِّفْلُ الَّذِي تَأَخَّرَ فِي الْكَلَامِ

خَمْسَةٌ وَسِتُّونَ عَامًا وَهَا هُوَ يَنْطِقُ

لَا تُعَلِّمُوهُ الصَّمْتَ مِنْ جَدِيدٍ

دَعُوهُ يَضَعْ إِصْبَعَهُ عَلَى الشُّقُوقِ الْمَخْفِيَّةِ فِي جِدْرَانِ الْيَقِينِ

دَعُوهُ يَقُولُ رُبَّمَا

وَلِمَاذَا؟

وَهَلْ أَنْتُمْ مُتَأَكِّدُونَ؟

دَعُوهُ يَضْحَكُ حِينَ يَرَى الْإِمْبَرَاطُورَ يَمْشِي عَارِيًا

وَثِيَابُهُ وَحْدَهَا تَتَلَقَّى التَّصْفِيقَ

⁕ ⁕ ⁕

سَأَمْشِي فِي شَارِعِي الْقَدِيمِ

رُبَّمَا أُغَيِّرُ الدُّكَّانَ أَوِ الْمَقْهَى أَوِ الطَّرِيقَ

لَكِنِّي لَنْ أَهْرُبَ بَعْدَ الْيَوْمِ مِنْ كَلِمَتِي

اخْتَبَأْتُ طَوِيلًا خَلْفَ صَمْتِي

وَالْآنَ صَارَ الصَّمْتُ هُوَ الَّذِي يَخْتَبِئُ مِنِّي

سَأَكْتُبُ حَتَّى آخِرِ سُؤَالٍ

حَتَّى آخِرِ دَهْشَةٍ

حَتَّى آخِرِ مَوْجَةٍ تَمْحُو اسْمًا وَتَتْرُكُ الْبَحْرَ

وَحِينَ لَا يَبْقَى مِنَ الضَّوْضَاءِ شَاعِرٌ وَلَا زَعِيمٌ

مُغَنٍّ وَلَا نَاقِدٌ

تِمْثَالٌ وَلَا هَالَةٌ

سَيَبْقَى إِنْسَانٌ وَقَفَ مَرَّةً أَمَامَ الْعَالَمِ

عَارِيًا مِنَ الْخَوْفِ

وَقَالَ

أَرُونِي الْعَمَلَ وَدَعُوا الِاسْمَ جَانِبًا

فَلَيْسَ فَوْقَ السُّؤَالِ اسْمٌ

وَلَيْسَ تَحْتَ السَّمَاءِ إِنْسَانٌ أَكْبَرُ مِنْ أَنْ يُرَى كَمَا هُوَ

 


تابعني وتواصل معي

لإضافة تعليق، سجّل الدخول بحساب Google، ثم اكتب تعليقك واضغط نشر.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حين تصبح الأم والأخت ألدّ الأعداء الوجه المظلم في حياة نيتشه

المرارة التي لا تُكتب على الغلاف

في ذكرى رحيل إدوارد سعيد ( أدب )