قصتي كيف صرتُ صانع شوكولاتة بالصدفة؟

 


قصتي كيف صرتُ صانع شوكولاتة بالصدفة؟

في أواخر آذار من عام 2020 كنت في جدة، والعالم يغلق أبوابه واحدًا بعد آخر. دخلت إلى حياتنا كلمات لم تكن من مفردات أيامنا: حظر، إغلاق، منع تجول، إصابات، حجر، تباعد. توقفت الأعمال، وخلت الشوارع، وصار الخبر موعدًا يوميًا لا ننتظره ولا نستطيع تفويته. في البيت، حيث كنت أعيش وحدي، تمدد الوقت حتى غدا أثقل من العمل الذي انقطع. كان لا بد من غاية صغيرة لهذا النهار الطويل، وإلا عانيت طويلا من الملل والضجر، أو فكرت في الانفلات منهما على الأقل. صرت أبحث كل يوم تقريبًا عن كتاب على الإنترنت؛ أبدأ واحدًا، أقرأ نصفه، ثم أتركه في اليوم التالي إلى غيره. لم أكن أتبع خطة قراءة. كنت أتجول بين الكتب، لعل واحدًا منها يفتح بابًا في جدار تلك الأيام.

وبمصادفة وقعت على كتاب مترجم لجورج أمادو عنوانه (طفل من حقول الكاكاو). جذبني العنوان أولًا. ثم دخلت منه إلى طفولة نشأت في جنوب باهيا البرازيلية، في أرض صنع الكاكاو ثروتها ولم يصنع عدالتها. كان الطفل يرى وراء الأشجار والثمار فقرًا وعنفًا وصراعًا على الأرض والسلطة. وأنا، في جدة البعيدة، بدأت أنظر إلى قطعة الشوكولاتة التي نضعها في أفواهنا ثم ننساها بعد دقيقة وأسأل من زرع حبتها؟ من قطفها وحملها؟ وكم يدًا مرّت بها قبل أن تستقر على اللسان وتذوب؟ لم تكن أسئلة تخطر لي وأنا آكلها. فتحها الكتاب، وبقيت مفتوحة بعد أن أغلقته.

بدأت أقرأ في تاريخ الكاكاو، وكلما تقدمت فيه وجدتني أمشي إلى الوراء في تاريخ البشر. عرفت أن الكاكاو أقدم من حضارة الأزتك بقرون، وأن حضارات أمريكا الوسطى منحتْه مكانة تتجاوز الطعام. وعند الأزتك كانت حبوبه ثروة وجزية ووسيلة للتبادل؛ حبة صغيرة تستطيع أن تشتري شيئًا في السوق. وحتى التزوير وجد طريقه إليها: حبوب تُفرَّغ أو تُصنع على هيئتها لتؤدي وظيفة المال من غير أن تحمل قيمته. أعجبتني هذه المفارقة؛ ما إن يقرر الإنسان أن شيئًا ما ثمين، حتى يظهر من يفكر في تقليده. كأن للحبة الصغيرة تاريخ النقود كله، بما فيه من ثقة وطمع، قبل أن نعرفها نحن في غلاف لامع ثم عبر الكاكاو المحيط إلى أوروبا، وبدأ حياة أخرى. في إسبانيا أضيف إليه السكر والتوابل، وانتقل بالتدريج من شراب جاء من العالم الجديد إلى عادة على موائد الميسورين. ودخل الكنيسة أيضًا، لا ضيفًا على المائدة هذه المرة، بل موضوعًا للخلاف: هل يفسد شرب الشوكولاتة الصيام؟ ومن تلك الأيام بقيت في ذاكرتي حكاية نساء في تشياباس كن يطلبن من خادماتهن أن يحملن إليهن أكواب الشوكولاتة أثناء القداس. منعهن أحد رجال الكنيسة لأن ذلك يقطع الصلاة، فاشتد الخلاف. ثم مات بعد مرض نُسب، في رواية متداولة، إلى كأس شوكولاتة مسموم دبرته امرأة غاضبة. لا أعرف إن كان الكأس قد قتله، لكنني كنت أرى في الحكاية مقدار ما يستطيع شراب واحد أن يثيره من شهوة وعناد وخرافة.

كلما قرأت أكثر انجذبت إلى الحبة أكثر، حتى وقعت في الخطأ الطبيعي لمن يقرأ عن صنعة لا يعرفها: أردت أن أصنع الشوكولاتة بنفسي. اشتريت أنواعًا من الكاكاو، وتابعت الكتب ومقاطع الفيديو ومواقع المصانع وصانعي الشوكولاتة. ظننت في البداية أنها وصفة يمكن ضبطها على ورقة: مقدار من الكاكاو، ومقدار من زبدته، ودرجة حرارة معلومة، ثم تخرج القطعة كما أريد. لكن الصنعة كانت تفلت كلما حسبتها انتهت. لكل صانع طريقته، وما يشرحه للناس هو الطريق العام؛ أما الفارق فيقيم في التفاصيل: سلالة الشجرة، والتربة، وظل الغابة أو انكشاف المزرعة للشمس، والمطر والمبيدات ووقت القطاف، ثم التخمير والتجفيف والتحميص والطحن والخلط والتبريد. كانت الحبة تصل إليّ محملة بأشياء لا أراها ولا أستطيع إعادتها إلى الوراء

عندئذ بدأت أفهم أن لحظة التذوق هي آخر لحظة في عمل طويل. تغمض عينيك وتقول: الله على هذا الطعم، ولا ترى الأشهر التي سبقته؛ الطين والمطر والحرارة، والظهور المنحنية في المزارع، والأيدي التي ناولت الأكياس يدًا بعد يد، والسفن والمخازن والمصانع. كان يربكني أن ينتهي كل هذا التعب، وما قد يرافقه من قهر ومرض وانتظار، في قطعة صغيرة تؤكل على عجل. هنا عدت إلى جورج أمادو بقراءة أخرى. لم تعد حقول باهيا مكانًا في طفولته وحدها؛ صارت جزءًا مما أتذوقه. الأشياء الجميلة لا تحمل دائمًا تاريخًا جميلًا، وقد يكون الطعم الحلو آخر نقطة في طريق لم يكن حلوًا قط.

ومن حكايات الشوكولاتة التي استوقفتني حكايتها مع الحليب في سويسرا. مضت قرون على وصول الكاكاو إلى أوروبا قبل أن يجد ذلك الرفيق الذي بدّل مذاقه. حاول دانيال بيتر سنوات أن يجمعهما، لكن الماء في الحليب كان يفسد الخليط ويمنعه من الاستقرار. وبالاستعانة بالحليب المكثف المرتبط باسم هنري نستله وصل إلى صيغة أولى للشوكولاتة بالحليب في سبعينيات القرن التاسع عشر. بدت لي الحكاية، وأنا أتعثر في محاولاتي، ملحمة صغيرة. تمنيت لو كان هوميروس حيًا ليكتب ملحمة تتصارع فيها آلهة الإغريق على أفضل حبة كاكاو: أحدهم يسرق النار ليحمصها، وآخر يخفي سر التخمير، وأفروديت تغوي البشر برائحتها، وزيوس يغضب لأن أحدهم عبث بنسبة الخلطة. لعل من جرّب خلطة وفشلت يفهم غضب زيوس أكثر مما يفهمه قارئ الأساطير.

كنت في ذلك الوقت قد تورطت تمامًا. أجرب كل يوم تقريبًا، ثم أُضطر إلى أكل ما صنعت. بعض القطع كان يمكن احتمالها  وبعضها آكل نصفه وأنظر إلى النصف الباقي قبل أن ألقيه في القمامة. لكن المحاولات الفاشلة فعلت في لساني ما لم تفعله القراءة: صنعت له ذائقة. صرت أميز بين مواد كنت أظنها شيئًا واحدًا. وبحثت في جدة عن زبدة كاكاو جيدة حتى وجدت، بعد جهد، موزعًا لمحال الشوكولاتة لديه أكثر من نوع. هناك بدأت أدرك الفارق بين مادة تصلح لصنعة تجارية عادية ومادة تقترب مما كنت أبحث عنه. كان لساني يتعلم ببطء، وتدفع القمامة ثمن الدرس معي واعرف معنى صنع بحب ثم اتسعت الحكاية خارج البيت. تواصلت مع سفارة جمهورية غانا وسفارة بيرو، واستطعت، بطريقة أو بأخرى، الحصول على الكاكاو في صورة عجينة من حبوب محمصة ومطحونة. واشتريت من زبدة الكاكاو كمية لا تناسب استهلاك رجل يعمل وحده في منزله. بقيت مشكلة الخلط، فتواصلت مع شركة في الولايات المتحدة زودتني بخلاطة لهذا العمل، يمكن ضبط زمنها وحرارتها وحركة المزيج فيها. عندها أخذت عبارة (الخلطة السرية) تفقد غموضها وتكتسب صعوبتها الحقيقية. لم يكن السر مسحوقًا يلقى في الوعاء، بل قرارات صغيرة متتابعة: كم من الكاكاو وزبدته والسكر، وكم من الوقت، ومتى ترفع الحرارة ومتى تخفضها، ومتى تترك الكتلة الخشنة تدور وتصبر حتى تصير شوكولاتة ناعمة متجانسة. كانت الآلة تتحرك أمامي، أما ما أتعلمه فلا يظهر إلا في آخر التجربة، حين أتذوق

شيئًا فشيئًا وصلت إلى الطعم الذي أريده. كففت عن محاولة تقليد قطعة صنعتها شركة أخرى، وبدأت الشوكولاتة تأخذ صفتها الخاصة. صار لها مذاق أعرفه بين المذاقات، ثم سجلتها باسم تجاري معتمد. حين نظرت إلى ما جرى، بدا أغرب مما كان يبدو وأنا أعيشه  رجل محاصر في بيت بجدة يبحث عن كتاب يقتل به الوقت، ثم يجد نفسه أمام شوكولاتة لها اسم وخلطة. بين تلك البداية وهذه النهاية وقف كتاب دخل حياتي مصادفة، وطفل برازيلي لم أعرفه قط اسمه جورج أمادو. كنت أبحث عن باب أخرج منه من أيام الحظر، ولم أدر أن الكتاب سيقودني إلى باب آخر لا علاقة له بما كنت أنوي

ولهذا، حين كتبت بعد ذلك قصيدة عن الشوكولاتة اسميتها ( المرارة لا تكتب على الغلاف ) لم أستطع أن أكتبها عن الحلوى وحدها. كنت أرى في القطعة غابات بعيدة وحبوبًا كانت يومًا نقودًا، وتجارًا ومستعمرين، وجدال رجال دين، ونساء تشياباس يحمل الخدم إليهن أكواب الكاكاو في الكنيسة. كنت أرى دانيال بيتر يحاول أن يقنع الحليب والكاكاو بأن يعيشا معًا، ومزارعي غانا وبيرو، والمطر على أشجار لم أرها، والأيدي التي مرت بها الحبة قبل أن تصل إلى يدي. وفي مكان من هذا كله ظل طفل يمشي بين حقول باهيا. لعل القصيدة التي كتبتها كانت طريقتي في رد شيء من الجميل إلى الكتاب الذي تبعني خارج صفحاته. فهناك كتب ننتهي من قراءتها ونضعها على الرف، وهناك كتب تخرج من صفحاتها وتمشي خلفنا، تدخل بيوتنا، وتترك في حياتنا شيئًا لم يكن فيها قبل الصفحة الأولى. وكان (طفل من حقول الكاكاو) من هذا النوع

تابعني وتواصل معي

لإضافة تعليق، سجّل الدخول بحساب Google، ثم اكتب تعليقك واضغط نشر.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حين تصبح الأم والأخت ألدّ الأعداء الوجه المظلم في حياة نيتشه

المرارة التي لا تُكتب على الغلاف

في ذكرى رحيل إدوارد سعيد ( أدب )