‏إديث سيتويل‏ ‏الشاعرة التي صنعت صورتها بقدر ما صنعت شعرها‏

 



في حياتنا العادية، كم مبدعًا ومبدعة يمكن أن يشبهوا إديث سيتويل دون أن ينتبهوا إلى ذلك؟ كم موهبة حقيقية تبدأ من الإيمان بالنفس، ثم تكبر حولها صورة أخرى، أوسع من المنجز، وأشد لمعانًا منه، حتى يصعب على صاحبها أن يميز بين ما أبدعه فعلًا وما يريد من الآخرين أن يصدقوه عنه؟‏

‏لم تكن إديث سيتويل شاعرة يمكن فصلها بسهولة عن المشهد الذي صنعت فيه نفسها.‏

‏كان الشعر عندها صوتًا، لكن الشخصية كانت مسرحًا كاملًا. الملابس الأرستقراطية، المجوهرات الثقيلة، الهيئة التي تستدعي زمنًا ملكيًا بعيدًا، طريقة الإلقاء، الدخول إلى المجالس، والنبرة التي لا تخلو من إحساس بأن صاحبتها لا تأتي لتجلس بين الآخرين، بل لتحتل موضعها بينهم.‏

‏كانت تعرف كيف تصنع حضورها، وربما عرفت ذلك أحيانًا أكثر مما عرفت كيف تترك شعرها وحيدًا أمام القارئ.‏

‏وهنا تبدأ مفارقة سيتويل الحقيقية.‏

‏فهي لم تكن بلا موهبة، ولم تكن شاعرة صنعتها الدعاية من فراغ. كان لها صوتها وتجاربها وإيقاعها ومغامراتها الشعرية. لكن الموهبة عندها لم تبقَ مجرد طاقة خفية في النص؛ راحت تكتسب هيئة خارج النص، وتبحث عن صورتها في المرآة، حتى بدا أحيانًا أن إديث سيتويل لم تكتب القصائد وحدها، بل كتبت كذلك أسطورة إديث سيتويل.‏

‏كانت تريد أن تُرى كما أرادت أن تُقرأ.‏

‏وربما هنا تحديدًا بدأ الشعر يتشابك مع الغرور.‏

‏ثمة فرق دقيق بين شاعر يعرف أن لديه ما يقوله، وشاعر يبدأ بالاعتقاد أن معرفته بقيمته تكفي لكي تصبح هذه القيمة حقيقة مطلقة.‏

‏سيتويل اقتربت كثيرًا من هذا الحد.‏

‏لم يكن النقد يمر عليها مرورًا هادئًا. كان يصيب شيئًا أعمق من القصيدة، كأنه يمس الصورة التي كوّنتها عن نفسها. ومن هنا تحولت بعض خلافاتها الأدبية إلى خصومات طويلة، وصار بعض من خالفها لا يقف خارج رأيها فحسب، بل خارج دائرتها أيضًا.‏

‏كانت العلاقات عندها تختلط أحيانًا بالأحكام الأدبية.‏

‏من يدافع عن إديث قد يقترب من الضوء.‏

‏ومن يهاجمها قد يسقط سريعًا في الظل.‏

‏وكأن الموهبة لا تُقاس دائمًا عندها بصفحة القصيدة وحدها، بل بالقرب منها أو البعد عنها.‏

‏هذه ليست مسألة صغيرة في شخصية أديبة؛ لأنها تكشف شيئًا شديد الحساسية في علاقة المبدع بنفسه. فحين يطول الوقوف أمام صورة الذات، قد يبدأ الفنان في رؤية العالم من خلالها. يصبح الإعجاب علامة فهم، والاعتراض علامة قصور، ويصعب عليه أن يميز بين رفض النص ورفض صاحبه. ومع إديث سيتويل كان هذا الالتباس جزءًا من حضورها.‏‏

‏كانت، على نحو غريب، امرأة شديدة القوة وشديدة الهشاشة في الوقت نفسه.‏

‏قوية إلى درجة أن تصنع من اختلافها هيئة كاملة، وهشة إلى درجة أن يجرحها من لا يرى تلك الهيئة كما أرادت له أن يراها.‏

‏ولعل هذا ما يجعل غرورها أكثر إثارة من غرور شخص بلا موهبة.‏

‏فالغرور الأخطر لا يأتي دائمًا من الفراغ.‏

‏قد يبدأ من موهبة حقيقية، ثم يلتف صاحبها حولها، طبقة فوق طبقة، حتى تصبح صورته عن نفسه أوسع من مساحة النص نفسه.‏

‏وهنا يمكن أن نسأل عن إديث سيتويل سؤالًا لا يخلو من القسوة، ماذا لو كان الكاتب موهوبًا فعلًا، لكنه بالغ في صناعة عبقريته حتى أصبحت الدعاية التي صنعها لنفسه حجابًا بيننا وبين أدبه؟‏

‏ربما كانت سيتويل موهوبة حقًا، ومغرورة حقًا، ومظلومة أحيانًا، ومروجة لنفسها أحيانًا أخرى.‏

‏وهذه المفارقة أجمل من أي حكم نهائي عليها.‏

‏فهي لم تكن تمثالًا فارغًا، لكنها أحبت التمثال كثيرًا.‏

‏ولم تكن صورتها عن نفسها بلا أصل، لكنها وسعتها حتى صار على الآخرين أن يجدوا مكانهم داخلها.‏

‏ثمة فرق بين أن يثق الإنسان بموهبته، وأن يصنع من نفسه تمثالًا ثم يطالب الآخرين بالانحناء له.‏

‏وسيتويل، في بعض مراحل حياتها، بدت قريبة جدًا من ذلك الحد.‏

‏ربما لهذا بقيت شخصيتها بعد موتها منافسة لشعرها.‏

‏فالموهبة تمنح صاحبها مكانًا بين الآخرين، أما وهم العظمة فيجعله يعتقد، ولو للحظة، أن مكان الآخرين جميعًا تحته.‏

‏وفي حالة إديث سيتويل، ربما لم تكن المشكلة أنها صدقت أنها شاعرة كبيرة.‏

‏بل أنها أحبت، أحيانًا، أن تصدق أن عظمتها أكبر من حاجتها إلى البرهان.

تابعني وتواصل معي

لإضافة تعليق، سجّل الدخول بحساب Google، ثم اكتب تعليقك واضغط نشر.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حين تصبح الأم والأخت ألدّ الأعداء الوجه المظلم في حياة نيتشه

المرارة التي لا تُكتب على الغلاف

النقد أمام أسئلته المؤجلة: ما الذي بقي بلا جواب في الأدب؟