بيتان أمامنا

 



انظروا إلى هذين البيتين طويلًا، لا بوصفهما صورتين عابرتين في سيل الأخبار، بل كأنهما يقفان الآن أمامنا، كل واحد منهما يحمل تعريفًا مختلفًا للنجاة.

الأول في تريشولي، في مقاطعة نواكوت بنيبال. بيت فيروزي بقي واقفًا بعد أن مر الماء من حوله كقوة فقدت صبرها على شكل الأرض. انمحى الطريق، تشوهت الضفاف، وارتفعت المياه وهي تحمل الطين والحجارة وما خف من ذاكرة المكان. وبقي البيت، مائلًا إلى الحياة بألوانه البسيطة، كأن الجدران اكتشفت فجأة أن لها وظيفة أقدم من السكن: أن تؤجل الموت.

كانت لاكشمي باندي هناك مع زوجها براكاش بياكوريل وأفراد من الأسرة. وحين صار الخروج مستحيلًا، لم يتجه قلب لاكشمي إلى ما في البيت، بل إلى من هو خارجه. كان ابنها في المدرسة. وفي تلك الدقيقة التي يهتز فيها الجدار ويضيق العالم حتى يصبح بحجم نفس واحد، خطر لها أن يخرج طفلها من يومه ليجد أن أمه لم تعد في الدنيا. قالت بعد نجاتها إنها خافت أن يصبح وحيدًا، يتيمًا.

أما براكاش، فقد وصل إلى العبارة التي لا تحتاج إلى بلاغة: ظن أن النهاية جاءت. لم يعد في يده شيء يفعله سوى أن تبقى الأسرة متقاربة. إن نجوا، نجوا معًا، وإن انتهى كل شيء، فلا يتفرقون في اللحظة الأخيرة.

غريب كيف ينزع الخوف الزوائد عن حياتنا. الأشياء التي قضينا سنوات نكدسها تتراجع إلى الخلف، ويبقى اسم، ووجه، ويد نمدها إلى يد أخرى. في تلك اللحظة لم يعد البيت مساحة بالمتر، ولا طابقًا وسلّمًا وشرفة. صار جسدًا إضافيًا للعائلة. شيئًا يقف بدلًا عنها في وجه القوة الآتية، ويتلقى الضربة أولًا.

ثم هدأ الماء.

وبقي البيت.

ليس سالمًا تمامًا، ولا منتصرًا كما تحب الأخبار أن تسمي الأشياء، بل بقي فقط، وهذه الـ (فقط) كانت كافية لتساوي حياة كاملة. انحسرت المياه، وظهر البيت كمن أُزيل العالم من حول قدميه ولم يسقط. عندها بدا المشهد أغرب من الفيضان نفسه: بناء صغير ما زال يحمل خزانه وشرفته وألوانه، بينما الأرض التي كانت تمنحه معنى الاستقرار قد انكشفت وتكسرت.

فالبيت، في الحقيقة، لا تقيمه الجدران وحدها. تقيمه الطريق التي تحفظ وقع خطواتنا، والنافذة التي تعودت شجرة بعينها، وصوت الجار، والدكان القريب، ورائحة المساء حين تدخل من الباب. نحن لا نسكن البناء وحده، بل نسكن شبكة خفية من الأشياء التي لا نعرف أنها تحملنا إلا حين تنقطع.

والآن، انظروا إلى البيت الآخر.

في غزة.

أقول البيت، ثم أشعر أن الكلمة تصل متأخرة. العين تبحث عنه بين الركام ولا تمسك حدوده. أين انتهت غرفة وبدأت أخرى؟ أين كان المطبخ؟ أين نام طفل؟ أي جدار كان يعرف صوت الأسرة؟ لقد اختلطت البيوت حتى كأن الحي كله هُدم في جملة واحدة، ثم تُركت الكلمات تحت الحجارة.

هنا لا أعرف اسم الأب، ولا اسم الأم، ولا أعرف مَن بقي لهما ومَن غاب. ولا أريد أن أمنحهما كلامًا لم يقولاه، لأن بعض الألم يفسده أن نتكلم باسمه. لكنني، بعد أن سمعت لاكشمي وبراكاش، وجدت نفسي أسأل: ماذا يمكن أن تقول أم فقدت بعض أسرتها، ثم رفعت عينيها فلم تجد البيت، ولا البيت الذي يليه، ولا الشارع الذي كان يعرف عودتها؟ ماذا يقول أب نجا بجسده، ثم اكتشف أن النجاة لا تعرف أين تضع نفسها؟

لا أعرف.

وهذه المرة لا أشعر أن (لا أعرف) نقص في اللغة، بل ربما شيء من أمانتها.

هناك أحزان نستطيع أن نقترب منها بالكلام، وهناك أحزان تصبح الجملة أمامها أصغر من أن تحملها. نستطيع أن نقول إن البيت تهدم، لكن هذه جملة هندسية أكثر مما هي إنسانية. فالبيت عند ساكنيه لا يُبنى من الإسمنت فقط. يُبنى من صباحات تتكرر حتى تصبح عمرًا، من ضحكة خرجت من غرفة، من خصام عابر ثم مصالحة، من طبق وُضع على المائدة، من مرض نامت الأم إلى جواره، من أب عاد متعبًا فجلس في مكانه المعتاد، ومن أطفال كبر طولهم على الحائط قبل أن يكبروا في الصور.

كيف نضع كل ذلك في كلمة (ركام)؟

في نيبال، خافت الأسرة أن تفقد الحياة، وبقي لها البيت الذي حمل خوفها معها حتى عبرت اللحظة. أما هنا فقد ينجو الإنسان، ثم يكتشف أنه فقد الوعاء الذي كان يضع فيه حياته. فالنجاة ليست بقاء النبض وحده. يحتاج الناجي إلى مكان يعود إليه، إلى زاوية تعرف جسده، إلى باب لا يحتاج أن يشرح له من هو.

وربما، حين يعجز الكلام كله، لا يبقى إلا شيء بسيط يشبه التنهد:

لم يعد لنا بيت، ولم يبق لنا إلا أن نحلم بالعودة إلى بيتنا.

أعود إلى الصورتين مرة أخرى.

في الأولى، جاءت قوة من الطبيعة لا تعرف أسماء من تخيفهم، وضربت البيت حتى اهتز، ثم مضت، وبقي البيت يحمل أهله.

وفي الثانية، كان الخراب من صنع الإنسان، الإنسان الذي يعرف معنى أن يكون له بيت، ويعرف كيف ينام طفل خلف جدار، وكيف تنتظر أم عودة ابنها، وكيف يشتاق المرء إلى مكانه إذا ابتعد عنه.

لهذا لا تبدو المقارنة بين بيت صمد وبيت سقط. إنها، في العمق، بين شكلين من هشاشتنا.

هناك بيت حمل أهله حين لم تعد الأرض مضمونة.

وهناك أهل سيحملون بيتهم فيهم، بعدما لم يعد له جسد على الأرض.

وبينهما يبقى السؤال معلّقًا، لا يريد جوابًا بقدر ما يريد قلبًا يحتمله:

كم يحتاج الإنسان من حياة أخرى، لكي يبدأ من جديد بعد أن ينجو من نهاية حياته الأولى؟

ملاحظة توثيقية: أسماء لاكشمي باندي وبراكاش بياكوريل وتفاصيل شهادتهما مستندة إلى تقرير ABC News المنشور في 2 سبتمبر 2










تابعني وتواصل معي

لإضافة تعليق، سجّل الدخول بحساب Google، ثم اكتب تعليقك واضغط نشر.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حين تصبح الأم والأخت ألدّ الأعداء الوجه المظلم في حياة نيتشه

المرارة التي لا تُكتب على الغلاف

في ذكرى رحيل إدوارد سعيد ( أدب )