المرارة التي لا تُكتب على الغلاف

 

كلُّ مربّعٍ من الشوكولاتة
نافذةٌ أُغلقت على غابة

كلُّ قضمةٍ ناعمة
يذيبها اللسان
كان لها، في البدء
وجهٌ صغير
لم يجد وقتًا ليكبر

في سوبريه،
لا تستيقظ شجرة الكاكاو
على رائحة الحليب
ولا تعرف الفانيلا
ولا البندق المحمّص
ولا ذلك الذهب الرقيق
الملتّف حول حبّة من فيريرو روشيه

تستيقظ على يد
أصغر من المنجل
وعلى ظهر
أضيق من الكيس
وعلى طفل
يحفظ الطريق إلى الحقل
ولا يحفظ الطريق إلى المدرسة

يقولون له
اقطف

فيقطف النهار من أوله
ويقطف المساء من آخره
ثم يعود
ولا يحمل من الشجرة
إلا تعبها

في غانا
تتراكم الثمار
قلوبًا بنّية تحت الشمس
تُفتح
تُخمّر
تُجفف تحت الشمس
ثم ترحل

ترحل الحبوب وحدها
ويبقى الجوع

ترحل في السفن
نحو أمستردام
نحو أنتويرب
إلى معامل تعرف كيف تفصل
زبدة الكاكاو عن مسحوقه
والربح عن صاحبه،
والرائحة عن اليد التي صنعتها

هناك،
في واجهات بروكسل وزيورخ وباريس
تجلس الشوكولاتة
في صناديق تشبه المجوهرات

صفٌّ من ليندت
صفٌّ من ميلكا
ألواحٌ من كادبوري
ومرطبانات نوتيلا
تفتح أفواهها للعالم
بينما لا يجد زارع الكاكاو
ما يضعه في فم طفله

شوكولاتة بالحليب
شوكولاتة بيضاء
برالين
ترافل
غاناش
داكنة بنسبة خمسة وثمانين في المئة

أما المرارة الحقيقية
فلا يكتبون نسبتها

لا يقول الغلاف
عشرون في المئة عرقًا
ثلاثون في المئة جوعًا
أربعون في المئة طفولة مؤجلة
والباقي
سكرٌ يكفي كي لا نشعر

المستعمر القديم
لم يعد يصل إلى الغابة
بخوذة وبندقية

لقد تعلّم الأناقة

يرتدي بدلة
يحمل عقدًا
يتكلم بلغة السوق
ويضع على صدره
شعارًا ملوّنًا

لم تعد السفينة
ترفع علم الإمبراطورية
ترفع فاتورة

ولم يعد السوط ظاهرًا
صار موعدًا للتسليم
وسعرًا يقرره البعيد
ودَينًا يطول
ووسيطًا
يمدّ يده
بين يد الفلاح وثمرته

تغيّرت أسماء الموانئ
تغيّرت لغات السادة
لكن الطريق
ظلّ يعرف نفسه

من الجنوب
تخرج المادة الخام
ومن الشمال
يخرج الاسم

من الجنوب
يأتي العرق
ومن الشمال
تأتي العلامة التجارية

من الجنوب
تُحمل الأكياس على الظهور
ومن الشمال
تُحمل العلب
في حقائب الهدايا

في قاعة أوروبية
ترتفع كؤوس البلور
وتدور قطع البونبون
بين أصابع
لم تمسّ التراب

يقول أحدهم
يا لها من نكهة عميقة

ولا يعرف
أن العمق حفرة
يقف فيها عامل حتى ركبتيه
وأن النكهة
طعم شمس احترقت فوق رأسه
وأن اللون الداكن
ليس دائمًا علامة فخامة
قد يكون ظلّ إنسان
طال وقوفه بعيدًا عن الضوء

يقول رجل
وهو يكسر لوح الشوكولاتة
أحبُّ المرارة
ثم يضيف السكر

أما العامل
فلا يملك ما يضيفه
إلى يومه

لا حليب
لا بندق
لا فانيلا
ولا غلاف ذهبي
يلفّ فقره
كي يبدو هدية

هو لا يأكل الشوكولاتة
الشوكولاتة تأكله

تأكل سنواته
ظهره
أظافره
أغانيه التي لم يغنّها
وأسماء أبنائه
الذين يكبرون
في ظل الشجرة نفسها

وحين تسقط حبّة كاكاو
من كيس ممزق
لا يلتفت إليها أحد

صغيرة
صامتة
بلا شعار

لكنها تعرف الحكاية كلها

تعرف أن العالم
لا يقسم الحلاوة بالتساوي
وأن اليد التي تزرع
ليست اليد التي تتذوق
وأن من يمنح الأشياء أسماءها الفاخرة
يستطيع أن يمحو
اسم من صنعها

في المرة المقبلة
حين تكسر قطعة شوكولاتة
لا تُصغِ إلى القرمشة وحدها

في ذلك الكسر الصغير
غصن يُقطع في سوبريه
وحقيبة مدرسة بقيت معلّقة
وكيس ثقيل يمشي نحو الميناء
وسفينة تعبر البحر
محمّلة بالحلاوة
وتترك وراءها
كل هذه المرارة


تابعني وتواصل معي

لإضافة تعليق، سجّل الدخول بحساب Google، ثم اكتب تعليقك واضغط نشر.

تعليقات

اكتب تعليقك

شاركنا برأيك

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حين تصبح الأم والأخت ألدّ الأعداء الوجه المظلم في حياة نيتشه

النقد أمام أسئلته المؤجلة: ما الذي بقي بلا جواب في الأدب؟