حين تصبح الأم والأخت ألدّ الأعداء الوجه المظلم في حياة نيتشه
عمق اعتراض على العود الأبدي: نيتشه وأمه وأخته
من يبحث عن الفيلسوف الألماني نيتشه قد يصادف صورة أو مقطعًا
أرشيفيًا له في سنواته الأخيرة. رجل فقد القدرة على إدارة حياته عاجز في مصحة للامراض
العقلية فاقد للقدرة على التواصل مع
الناس، وإلى جانبه أخته إليزابيث التي تظهر وكأنها الأخت الوفية التي بقيت لرعايته
حين عجز عن رعاية نفسه.
الصورة تبدو جميلة ومألوفة. أخ وأخت ومرض قاس، وعائلة لا تتخلى عن واحد منها في
النهاية لكن القصة خلف هذه الصورة مختلفة تمامًا
قبل أن يصل نيتشه إلى هذه الحالة كانت علاقته بأخته وأمه قد وصلت إلى
سنوات من الخصومة والقطيعة. وكتب عنهما كلمات قاسية يصعب توقعها من رجل يتحدث عن
أمه وأخته حتى وصفهما بما يشبه (الآلة
الجهنمية) التي تعرف متى تؤذيه، وجعلهما (أعمق اعتراض) لديه على فكرة العود
الأبدي.
وبمعنى أبسط كان نيتشه
قادرًا على تخيل عودة حياته بما فيها من مرض ووحدة وألم، لكنه وجد في فكرة أن تعود
أمه وأخته معها شيئًا يصعب عليه احتماله.
فما الذي حدث بين نيتشه وأقرب امرأتين إليه حتى وصل إلى هذا الحد؟ وكيف أصبحت الأخت التي حاول أن يضع بينها وبينه أكبر مسافة ممكنة هي نفسها التي تصدرت المشهد حين فقد القدرة على الكلام والدفاع عن نفسه؟
بداية المقال بعد الرابط
لم يكن نيتشه مقتصدًا في كلماته حين كتب عنهما. لم يقل إنهما لم
تفهماه، ولم يكتف بوصف العلاقة بالصعوبة. في (هذا هو الإنسان) وصل إلى لغة تكاد
تكون رغبة في نفي القرابة نفسها. حين بحث عن (أعمق نقيض) له وجد أمه وأخته وتحدث
عن معاملتهما له بوصفها شيئًا يثير فيه(رعبًا لا يوصف) وشبههما بـ(آلة جهنمية)
تعرف اللحظة التي تستطيع فيها إصابته حتى ينزف.
ثم قال ما هو أشد: إن أمه وأخته هما (أعمق اعتراض) لديه على العود
الأبدي. لا تحتاج العبارة إلى شرح فلسفي طويل. يكفي أن نتخيل الفكرة في صورتها
الإنسانية البسيطة. أن تعود الحياة كما عشتها، بما فيها من مرض ووحدة وفشل وخيبة
وسوء فهم، وأن تقبل عودتها. لكن نيتشه، الذي حمل فكرة كهذه، وجد في حياته شيئًا
يبدو أن مجرد التفكير في عودته كان ثقيلًا عليه: أمه وأخته.
لم يكن الأمر خلافًا عائليًا عابرًا. الانفجار الكبير جاء في السنوات
المرتبطة بلو سالومي. تدخلت إليزابيث في العلاقة، واتخذت منها موقفًا شديد العداء،
ودخلت الأم في الصراع أيضًا. شعر نيتشه بأن حياته الخاصة لم تعد تخصه وحده، وأن
أخته وأمه تريدان أن تحددا له من يليق به، وكيف ينبغي أن يعيش، وما الذي يحفظ اسم
العائلة.
وفي واحدة من أكثر لحظات الخلاف قسوة، دخل الأب الميت إلى المعركة.
كان نيتشه يحمل لأبيه، الذي مات وهو طفل، صورة شديدة الخصوصية. وحين واجهته أمه
بما يفيد أنه أساء إلى اسم أبيه وذكراه، أصابته في موضع لا يمكن أن يكون مجهولًا
عنها. هنا يظهر الفرق بين أذى الغريب وأذى القريب. الغريب يحتاج إلى أن يبحث عن
الجرح، أما القريب فيعرفه أصلًا. يعرف الأب الميت، والطفولة والخوف القديم والعلاقة التي فشلت والكلمة التي لا تمر عابرة.
ربما لهذا كانت صورة (الآلة الجهنمية) دقيقة إلى هذا الحد في شعوره.
ليست آلة تضرب عشوائيًا، بل شيء يعرف متى يعمل وأين.
كانت إليزابيث أكثر حضورًا في هذه الخصومة وأشد قدرة على إدامتها. لم
تكن امرأة بعيدة اقتحمت حياته، بل أختًا نشأت معه وكانت يومًا شديدة القرب منه.
لهذا كان الانقلاب أقسى. بعد أزمة سالومي اتسعت الفجوة، ثم جاء زواجها من برنهارد
فورستر، أحد الوجوه المعروفة في الحركة المعادية لليهود، وانخراطها في عالم كان
نيتشه ينفر منه ويهاجمه. لم يعد الخلاف عندئذ شخصيًا فقط. وجد نفسه أمام أخت ترتبط
بأفكار يحتقرها، بينما يظل اسمها ملتصقًا باسمه واسم العائلة.
كان يريد مسافة، وكانت القرابة تعيدها إليه.
وفي إحدى رسائله المتأخرة، بعد شكواه من رسالة وصلته من أخته، قال ما
معناه إن هذا الأمر مستمر منذ سبع سنوات. سبع سنوات ليست نوبة غضب. إنها زمن يكفي
لأن يتحول الخلاف إلى تركيب ثابت في العلاقة، وأن يصبح وصول رسالة من شخص ما
مناسبة لتوقع الأذى قبل فتحها.
الأقسى أن أمه لم تكن دائمًا المنطقة المحايدة التي يستطيع الاحتماء
بها من أخته. في الأيام الأخيرة من عام 1888 وبداية 1889 اشتكى نيتشه من إليزابيث،
فجاءه رد من أمه يدافع عنها ويرفض اتهامه لها. كان في الرابعة والأربعين، ومع ذلك
عادت العلاقة إلى مشهد شديد القدم: الأم تؤنب والابن يحاول أن يقول إن جرحه حقيقي والأخت تقف في المنتصف.
بعد هذه المراسلات عاد نيتشه إلى (هذا هو الإنسان) وشدد عباراته عن
أمه وأخته. كأن اللغة لم تعد وسيلة للشكوى، بل صارت الأداة الوحيدة التي يستطيع
بها قطع علاقة لا يستطيع قطعها في الدم.
ولهذا فإن أقسى ما قاله عنهما ليس الشتائم وحدها مع أنها فادحة. الأشد أنه بدأ يرفض فكرة الشبه
والانتساب إليهما. أن يكون منهما، أو أن يرى الناس فيه شيئًا منهما، أصبح في لغته
المتأخرة شيئًا مهينًا. هنا تصل القطيعة إلى مكان آخر. لم يعد الإنسان يريد إصلاح
أسرته، ولا حتى الانتصار عليها، بل يريد فقط أن يتوقف عن الشعور بأنه منها.
قد يكون الغضب قد ضخم بعض عباراته، وقد يكون الجرح قد جعل لغته أشد
من الوقائع. لكن لا يمكن إلغاء حقيقة أساسية: هكذا عاش نيتشه علاقته بهما في
سنواته الأخيرة الواعية. لم يعد يتحدث عن أمه وأخته بلغة البيت، بل بلغة الخصومة
والاشمئزاز والحصار
ثم جاءت المفارقة التي يصعب اختراع ما هو أشد منها.
في يناير 1889 انهار نيتشه الرجل الذي حاول أن يبعد أمه وأخته عن
حياته فقد القدرة على إدارة حياته نفسها. لم تعد القطيعة قرارًا يستطيع المحافظة
عليه، ولم يعد قادرًا على إرسال رسالة يقول فيها: ابتعدوا عني. عاد إلى الرعاية،
وأصبحت أمه من الأشخاص الذين يعتمد عليهم جسده بعد أن فقد عقله قدرته على تدبير
أبسط شؤونه وبعد وفاة الأم انتقلت المسؤولية إلى إليزابيث
لكن إليزابيث لم تصبح مجرد أخت تعتني بأخ عاجز. أصبحت صاحبة سلطة على
الاسم، وعلى الأوراق، وعلى الطريقة التي سيصل بها نيتشه إلى الآخرين. أنشأت أرشيف
نيتشه، وأمسكت بالمخطوطات والرسائل والحقوق، وبنت حول أخيها مؤسسة بدأت تحدد
للعالم أي نيتشه سيراه. كان هو هناك، حيًا، لكنه خارج القرار وكان الناس يأتون
لرؤية الفيلسوف الذي لم يعد قادرًا على الكلام إليهم. الصورة وحدها قاسية. الرجل
موجود، لكن أخته هي التي تستقبل، وهي التي تدير المكان، وهي التي تملك مفاتيح
الأوراق. الأخت التي حاول في سنوات وعيه الأخيرة أن يضع بينها وبينه أكبر مسافة
ممكنة أصبحت بعد عجزه البوابة التي يمر الآخرون منها إليه
ثم تجاوز الأمر الرعاية والإدارة. تكشف الوثائق أن إليزابيث تدخلت في
رسائل أخيها، غيرت وأخفت ورتبت بعض المواد بما يخدم الصورة التي أرادت بناءها عن
علاقتها به. جرى تغيير المخاطب في بعض الرسائل، وحجبت مقاطع تحمل كلامًا جارحًا
عنها، ووصل الأمر في بعض الأوراق إلى القص والإتلاف. كأن الخصومة لم تنته حين فقد
نيتشه القدرة على الرد، بل دخلت مرحلة جديدة، طرفها الوحيد القادر على الكلام هو
إليزابيث.
وهنا تبلغ القصة ذروتها.
حين كان قادرًا على الكلام، حاول أن يبعدها عنه، ورفض أن تمثله، وكتب
عنها بمرارة وصلت أحيانًا إلى الاشمئزاز. وحين صمت، أصبحت هي التي تتكلم باسمه حتى
إرثه الفكري دخل تحت يدها. كان (إرادة القوة) المثال الأشهر على مواد من دفاتر
نيتشه رتبت بعد انهياره وموته وقدمت في صورة كتاب لم يتركه هو عملًا نهائيًا بتلك
الهيئة. لا نحتاج هنا إلى الدخول في تاريخ الفلسفة أو معارك التأويل. تكفي
المفارقة الإنسانية: الأخت التي قاوم تدخلها في حياته أصبحت بعد عجزه وموته من
أكثر الناس قدرة على تحديد الصورة التي سيعرفه بها العالم في العلاقات الإنسانية
أنواع من العداوة أشد من الكراهية المعلنة. العدو الواضح يقف أمامك، ويمكنك أن
تغلق الباب بينك وبينه. لكن ماذا تفعل حين يكون الخصم داخل تعريفك الشخصي نفسه:
أمك، أختك، عائلتك، اسمك؟
كيف يقطع الإنسان علاقة لا يستطيع قطع أصلها؟
ربما لهذا كانت لغة نيتشه عن أمه وأخته عنيفة إلى هذا الحد. لم يكن
يستطيع أن يقول إنهما شخصان لا يعنيانه. كانتا تعنيانه رغمًا عنه. يستطيع أن يغادر
مدينة، وأن يترك صديقًا، وأن ينهي علاقة عاطفية، لكنه لا يستطيع أن يحصل على أم
أخرى أو طفولة أخرى أو نسب مختلف.
وهنا يصبح (أعمق اعتراض على العود الأبدي) أقل تجريدًا مما يبدو.
هناك أشياء يحتمل الإنسان وقوعها مرة لأنه لا يملك إلا أن يحتملها.
لكن فكرة أن تعود تكشف مقدار ما كانت تؤلمه في المرة الأولى. وما قاله نيتشه، في
النهاية، لم يكن إن المرض هو اعتراضه الأعمق، ولا الوحدة، ولا سوء الفهم، ولا
السنوات الطويلة التي عاشها بعيدًا عن الاعتراف الذي كان ينتظره.
قال: أمي وأختي.
قد يكون ظالمًا في بعض ما كتب. وقد تكون لغته أكثر قسوة من الحقيقة
الكاملة. لكن ذلك لا يمحو الجانب الذي تكشفه قصته: أن أقرب رابطتين يفترض بهما أن
تمنحا الإنسان الأمان يمكن أن تتحولا، في تجربته هو، إلى الشيء الذي يريد النجاة
منه.
ليس كل دم رحمة. وليس كل بيت ملجأ.
وقد يعرف الإنسان في حياته أعداء كثيرين، لكن أحيانًا لا يكون أشدهم
إيلامًا من يقف أمام الباب، بل من يملك مفتاحه منذ الطفولة.
رائع
ردحذفرائع
ردحذف