صبرا وشاتيلا... الحياة التي قوطعت في ذكرى صبرا وشاتيلا، لا يعود السؤال: كم ماتوا؟
فالأرقام، مهما كبرت، عاجزة عن أن تقول تعيد الاموات الى الحياة.
الرقم يجمع القتلى في سطر واحد، كانهم صناديق فارغة، بينما كان لكل واحد منهم وجه،
وبيت، واسم يناديه به أحد، وموعد لم يصل إليه، وحياة كان يظن أنها ستستمر إلى
الغد، واحلام صغيرة لم ترى النور قتلت في مهدها.
مرّ أربعة وأربعون عامًا، ونحن نتذكر ولن ننسى، وما زالت صبرا
وشاتيلا أقرب إلينا من الزمن الذي يفصلنا عنهما. بعض الحوادث لا تدخل الماضي
كتاريخ للغزاة، بل تبقى معلقة في ذاكرة الشعوب، كجرح لا يعرف كيف يتحول إلى ندبة.
وشعبنا رأى من المذابح ما يكفي لأن تصبح أسماء الأمكنة جزءًا من
قاموس الفقد: دير ياسين، كفر قاسم، صبرا وشاتيلا، جنين، وصولًا إلى غزة. تتغير
الأزمنة والأسماء، ويبقى القتيل واحد دمنا، ويبقى السؤال نفسه: كيف يمكن للإنسان
أن يحمي حقه البسيط في أن يعيش؟
لان المذبحة ليست دائمًا ساحة مليئة بالجثث. نحن لا نفرق بين أن
يُقتل الناس جماعة، ام افرادا، او أن يُقتلوا واحدًا واحدًا. فالذي يُقتل وحيدًا
هو أيضًا عالم كامل يُمحى من شعبنا ومن جسدنابالام التي تفقد ابنًا لا تحتاج إلى
مئة نعش كي تعرف معنى الفاجعة، وطفل يفقد أباه لا يسأل إن كان أبوه الرقم الأول أم
الألف.
لهذا تبدو كلمة مذبحة أحيانًا اقل دموية من معناها. فهي توحي بلحظة
تبدأ وتنتهي، بينما الموت يتواصل في الذين بقوا: في أمّ تنتظر من لن يعود، وفي طفل
يكبر وفي ذاكرته الم لا يزول، وفي بيت اغلقت ابوابة ولم يبق هناك بيت.
صبرا وشاتيلا ليستا إذن حادثة نعود إليها مرة كل عام. إنهما سؤال
وجرح عن قدرتنا على حمل كل هذا الموت من غير أن نفقد علاقتنا بالحياة ورغبتنا ان
نعيشها.
وهنا تبدو كلمات محمود درويش أقل شبهًا بالشعر وأكثر شبهًا بإعلان
وجود:
«ونحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا».
لم يقل إننا نحب الموت، ولا إن البطولة فيه. ربما لم يستطع احد ان
يفهم من هذا العالم اننا بشر لنا احلامنا. نصحو صباحا، نريد الركض خلف احلام
الليل، نبحث ان نختلف على طعام ذلك اليوم، ونتنازع على ترتيب المزهرية فوق طاولة
البيت. هو قال بكل بساطة: نريد العيش. شعب يريد الحياة وأن يعيش، لكنه يُدفع مرة
بعد مرة إلى التمسك بالحياة، لاثبات حقه في أبسط الأشياء: أن يستيقظ في الصباح
يحلم بالغد، وأن يكبر أطفاله مع احلامهم، أن يعود إلى بيته، وأن يشيخ طبيعيًا.
لهذا، حين نتذكر صبرا وشاتيلا، لا ينبغي أن نتذكر الموت وحده. ينبغي
أن نتذكر الحياة التي تمزقت اشلاء الحلم الذي تاجل، والباب الذي بقي اغلق على
اسماء نحبها، وموعد زفاف لاحداهن لم يكتمل، والطفل الذي لم يعرف أي رجل كان سيصبح.
فالمجزرة ليست كم عدد الذين استشهدو فقط.
المجزرة أيضًا عدد الأشياء التي كان يمكن أن تحدث وتاجلت.
ولهذا لا تنتهي صبرا وشاتيلا من الذاكرة تماما، لأن القتلى يرحلون
مرة واحدة، أما الجرح والالم فلا يزال جرحا نازفا كل يوم، فيبقى في الذاكرة شاهدًا
على حياة كان ينبغي أن تُعاش.